-->

أكثر تصفحا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

من يحمي "إسناين" من شطط "إقطاعن"؟

الشطط في استعمال السلطة لا يقتصر على الباشوات والقواد والعسكر وكل من أوتي مقاليد حكم ما. كل من أوتي "سلطة" ما إلا ويبالغ في استعمالها، ولو كانت رمزية. هناك سلطة لحظية يتمتع بها "إقطاعن" في الأعراس التقليدية بالجنوب المغربي، يتم استعمالها في أماكن كثيرة لإهانة إسناين دون وجه حق والتسبب في الكثير من المتاعب لأشخاص آخرين.
أسناي (يقال بأن أصلها أمسناي)، هو الشخص الذي يأثمنه أهل العريس ويتم إرساله لجلب العروس، ومعناها الحرفي الذي يقوم بإركاب شخص ما على دابة ما، قد يساعد العروس حتى تتمكن من ركوب الدابة، ويتجه بها نحو بيت الزوجية. وجمع أسناي إسناين، ويقال كذلك إن أصلها إمسناين. وهم بمثابة الوزراء الذين يساعدون العريس في شؤون العرس، هم محددون عددا ومعروفون بلباسهم ويحظون بالتوقير والتقدير من قبل أهل العروس، فهم من يقدم لباس العروس والهدايا التي تسلموها من الذي كلفهم بهذه المهمة، فيخصص لهم أهل العروس فور وصولهم "شاة إسناين" تم ذبحها خصيصا لهم.
أما "إقطاعن" فمعناها اللصوص ومفردها "أقطاع"، فإذا كان أسناي معينا بظهير شفوي ليصبح مسؤولا عن أمن العروس وأمها وأهلها طوال الطريق، فإن إقطاعن لا يعينهم أحد، بل هم من يمنح لأنفسهم هذه الصفة، إنهم مثل مناضلي الفايسبوك، يعطون أنفسهم الحق في شتم الجميع. قد يكونون من عائلة وجيران العروس أيضا، يمنعون الموكب الذي يحمل العروس من التقدم، يسمحون له تارة ويمنعونه أخرى.
قديما كان الأمر أشبه بمسرحية في الهواء الطلق، يعبر فيها إقطاعن رغم لقبهم القدحي عن مشاعر راقية للعروس وأهلها، فهم يختبرون إسناين إن كانوا يملكون القدرة على العبور بالموكب في أمان، فيختبرون مقدار تسلحهم، فيطلقون البارود الحقيقي في السماء ويطالبون من إسناين أن يفعلوا الأمر نفسه، ليتأكدوا بأنهم يحملون بنادق و"تساعيات".




يطلق " الأقطاع" من بوشفره عيارا ناريا في الهواء، ويصيح:
- مانزا تينون أيسناين؟ بمعنى هاتوا طلقاتكم يا إسناين.
يخرج الأسناي بندقية من تحت جلبابه، يشحنها، يشير بفوهتها للسماء، ثم يضغط على الزناد، تحدث الطلقة صوتا رهيبا وتخلف دخانا، وتنثر رائحة البارود في الأرجاء. يتبعه من شاء من الإسناين ليطمئن أهل العروس بأن هؤلاء الرسل قادرون على حمايتهم إذا باغثهم عدو. مع استثباب الأمن في البلاد ونزع أسلحة القبائل والثوار، تم تعويض طلقات بوشفر بـ"الفرشي" والفرشي مايقتلشي كما قالت الشيخة. يتأكد "إقطاعن" من أن إسناين يتوفرون على ما يكفي من طلقات الفرشي، وكذلك يتأكدون من أن هندامهم يوافق الشروط التي توارتثها الأجيال من رزة وجلباب أبيض وبلغة وتزين الأسناي بالكحل وغير ذلك، وأي إخلال بشرط من شروط اللباس والزينة يعرض الأسناي لعقوبة ما، وإن كان القدماء لم يحددوا لائحة للعقوبات فإن ذلك مسنود للسلطة التقديرية لـ"لإقطّاعن"، عقوبات ممازحة لخلق جو من الدعابة والمرح.
لكن في السنوات الأخيرة مع اختفاء الفرشي وظهور "الحراقيات"، طغا "إقطاعن" على "إسناين"، وتجبروا عليهم بسبب كثرة عدد إقطاعن، وكذلك لغياب مرجعية يمكن العودة إليها في حالة وجود خلاف، وبدأ إقطاعن يفرضون عقوبات غريبة على إسناين لإذلالهم وإضحاك الحاضرين والتقاط صور لهم، مثلا في أعراس مختلفة هذه السنة تم إرغام إسناين على أكل سردين معلب بواسطة تلك المصاصات التي يحبها الأطفال، وفي عرس آخر تم إرغام أسناي على مص الحليب من رضاعة، وإجبار آخرين على إشعال نار للإستدفاء به رغم حر شهر غشت، وفي آخر إجبار أشخاص على حمل سيدة عجوز والطواف بها، أو ارتداء ملابس نسائية وغير ذلك.
رغم أن البعد الفلسفي الذي كان الأجداد يرومونه من كل طقس "أحاصر" هو التعبير عن القيمة المرتفعة للعروس، وأن تزويجها لن يتم دون متاعب، ولا يمكن نقلها هكذا مثل متاع دون بعض التمنع والمنع والشروط. يمنعون الموكب لإنشاد وغناء، أو لتحدي أحد الإسناين في عدد طلقات الفرشي، ثم يستمر السير نحو الأمام، يحدث ذلك لبعض الوقت فقط، للتأكيد على أن هذه الفتاة غالية وعزيزة على أهل الدوار والعشيرة والعائلة. وليس كل هذه العقوبات البهلوانية التي ترغم الناس من نساء وأطفال على المكوث لساعات تحت لهيب أشعة الشمس، أو داخل سيارات غير مكيفة تحت رحمة إقطاعن يبحثون عن المتعة الفرجوية ولا على حساب راحة الآخرين.
إن الغاية من كل هذه الطقوس هو نشر الفرْح بتسكين الراء كما ينطق في المنطقة، لذلك على "إقطاعن" وهم أشخاص لم يخترهم أحد، ولم يعينوا بظهير، أن يوقروا إسناين وهم الذين تم انتخابهم أو تعيينهم على الأقل، لأن وراءهم موكب من أشخاص كثر، وتنتظرهم مسؤوليات جِسام..
oumelaid@gmail.com
المصدر : ميمون أم العيد
الكاتب
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع تعليمنا.نت .

جديد قسم :

إرسال تعليق